بين الحدة والدبلوماسية.. قراءة في بياني الجزائر والإمارات
في الأزمات الدبلوماسية، لا تكشف البيانات الرسمية عن المواقف السياسية للدول فحسب، وإنما تكشف أيضًا عن طبيعة الرسائل التي تسعى كل دولة إلى إيصالها للرأي العام، والأسلوب الذي تختاره للتعبير عن موقفها من الأزمة.
وهذا ما بدا لافتًا في صياغة بياني الجزائر والإمارات بشأن قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات، إذ ظهر اختلاف واضح في اللغة والنبرة، رغم أن البيانين يتناولان الحدث ذاته.
ولا يتعلق الأمر هنا بالمفاضلة بين موقف الدولتين أو الحكم على صحة موقف طرف دون الآخر، وإنما بالوقوف أمام الأسلوب الإعلامي واللغوي الذي استخدمه كل طرف في عرض موقفه وتقديمه إلى الرأي العام.
في البيان الجزائري، جاءت اللغة مباشرة وحادة، وحملت قدرًا واضحًا من التصعيد السياسي، إذ تحدثت الجزائر عن «تزايد التصرفات الاستفزازية أو العدائية الصادرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة»، مؤكدة أنها تحلت بـ«قدر كبير من ضبط النفس وبحس عال من المسؤولية»، وأنها لم تدخر جهدًا في لفت انتباه الجانب الإماراتي وتحذيره من «العواقب الوخيمة» التي قد تترتب على ما وصفته بـ«سلوكياته المؤسفة وغير المبررة».
ولم تتوقف لهجة البيان عند هذا الحد، بل أشار إلى أن الإمارات واصلت، رغم التحذيرات، «تماديها في هذه التصرفات»، التي بلغت – وفقًا للرؤية الجزائرية – حدودًا لم يعد من الممكن معها اعتبارها مقبولة أو قابلة للتحمل في إطار العلاقات بين دولتين ذاتي سيادة.
وانتهى البيان إلى إعلان قرار الحكومة الجزائرية قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، بعد التأكيد على استنفاد جميع السبل التي كان من شأنها الحفاظ على العلاقات الثنائية.
على الجانب الآخر، اتسم البيان الإماراتي بلغة أكثر هدوءًا ودبلوماسية، حيث أكدت دولة الإمارات حرصها على علاقاتها مع جميع الدول، بما يخدم مصالح الشعوب ويعزز المصالح المشتركة والتفاهم والتعاون والازدهار.
ولم يتضمن البيان الإماراتي ردًا مباشرًا على الاتهامات الواردة في البيان الجزائري، كما لم يستخدم لغة تصعيدية أو يوجه اتهامات مضادة، وإنما ركز على التأكيد على العلاقات بين الشعوب، واصفًا الجزائر بـ«الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الشقيقة»، ومشيرًا إلى «الروابط الأخوية» التي تجمع الشعبين.
كما حمل البيان الإماراتي رسالة لافتة عندما أعرب عن تطلع دولة الإمارات إلى أن يكون قرار قطع العلاقات «مؤقتًا»، بما يحفظ الروابط الأخوية بين الشعبين، مع التأكيد على تقدير الشعب الجزائري والاعتزاز بالعلاقات التي تجمع الشعبين، خاصة أبناء الجالية الجزائرية المقيمة في الإمارات والزائرين.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح بين الخطابين.
فالبيان الجزائري اعتمد على لغة المواجهة وتقديم المبررات السياسية للقرار، من خلال استخدام عبارات قوية تصف التصرفات الإماراتية بأنها استفزازية أو عدائية ومؤسفة وغير مبررة، بينما اتجه البيان الإماراتي إلى لغة الاحتواء والتهدئة، والتركيز على الروابط بين الشعبين والمصالح المشتركة، مع ترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية عودة العلاقات.
ولا يعني اختلاف الأسلوب بالضرورة أن لغة أكثر هدوءًا تعكس موقفًا أكثر صوابًا، كما أن اللغة الحادة لا تعني بالضرورة خطأ موقف الطرف الذي يستخدمها. فالحكم على المواقف السياسية وأسباب الخلاف يحتاج إلى قراءة أوسع للوقائع والسياقات، وليس إلى تحليل المفردات وحدها.
لكن من الناحية الإعلامية، فإن الفرق بين البيانين يستحق التوقف عنده، لأنه يوضح كيف يمكن لحدث سياسي واحد أن يصل إلى الرأي العام من خلال خطابين مختلفين تمامًا؛ خطاب يعتمد على المواجهة وتوضيح الاتهامات والمبررات، وآخر يميل إلى التهدئة والاحتواء والتأكيد على استمرار الروابط والمصالح المشتركة.
وفي الأزمات الدبلوماسية، لا تكون الكلمات مجرد مفردات عابرة، فاختيار المصطلحات، ونبرة البيان، وترتيب الأفكار، والمساحة التي يمنحها كل طرف للتصعيد أو التهدئة، كلها عناصر تدخل في تشكيل الرسالة السياسية والإعلامية.
وبينما اختارت الجزائر لغة أكثر حدة في تفسير أسباب قرارها، اختارت الإمارات خطابًا أكثر هدوءًا، يركز على العلاقات التاريخية والروابط الشعبية، ويترك مساحة لاحتمال تجاوز الأزمة مستقبلًا.
وفي النهاية، يبقى النص أمام القارئ، ويبقى لكل متابع أن يقرأ البيانين بعيدًا عن الانطباعات المسبقة، وأن يلاحظ بنفسه الفارق بين لغة المواجهة ولغة الدبلوماسية، وبين خطاب يشرح أسباب القطيعة وخطاب يتمسك بإمكانية عودة العلاقات.
حفظ الله الجزائر والإمارات، وحفظ شعبيهما الشقيقين، وألّف بين القلوب، وأبعد عن أمتنا العربية أسباب الفرقة والخلاف، وألهم قادتها الحكمة والرشد، وجعل الحوار والتفاهم سبيلًا لتجاوز الأزمات، فما يجمع الأشقاء أكبر مما يفرقهم.
الاكثر قراءة
تطوير تطبيق «سبوت AI» للهيئة الوطنية للصحافة
في إطار توجه الدولة نحو رقمنة العمل الإعلامي وتطوير أدوات الإنتاج الصحفي، عملتُ على تطوير وتنفيذ تطب...
ما هو قوللي؟
هل سمعت من قبل عن قوللي (2ooly) وتتساءل: ما هو بالضبط؟ دعنا نأخذك في جولة سريعة لتتعرف على واحدة من...
الجديد في قوللي: إعادة توجيه الروابط القديمة
حرصًا منّا في قوللي على الحفاظ على ترتيب موقعك في محركات البحث وعدم خسارة أي زيارات قيّمة، أضفنا ميز...
الجديد في 2ooly الإصدار 2.37: تحسينات جديدة في التعامل مع الصور
✨ تحرير الصور مباشرة من المعرضقمنا باصلاح مشكلة الصور المصغرة حيث لم تكن تراعي ابعاد الصورة الاصلية...